محمد متولي الشعراوي

2784

تفسير الشعراوى

وجاء قول الحق معبرا تمام التعبير عن موقفهم : ( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها ) . وهكذا نرى عظمة القرآن الذي يأتي بالمعنى الدقيق ويجب أن نفكر فيه ونتدبر كل كلمة منه . الحق - إذن - يقدم الأسباب لما صنعه بهم بالحيثيات ، من نقضهم للميثاق ، وكفرهم بآيات اللّه ، وبقتلهم للأنبياء بغير حق ؛ لذلك لم يفتح اللّه عليهم بالهدى ، بل طبع اللّه على قلوبهم بالكفر . فوجود « بل » دليل على أن هناك أمرا قد نفى وأمرا قد تأكد . والأمر الذي نفاه اللّه عنهم أنه لم يفتح عليهم بالهدى والإيمان ، والأمر الذي تأكد أنه سبحانه قد طبع على قلوبهم بالكفر . وفي آية أخرى قال عنهم : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ ( 88 ) ( سورة البقرة ) فقلوبهم ليست غلفا ، ولكن هي لعنة اللّه لهم وإبعاده لهم وطردهم واستغناؤه عنهم ؛ لذلك تركهم لأنفسهم فغلبت عليهم الشهوات . ولماذا ذيل الحق الآية بقوله : « فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا » ؟ لأن المقصود به عدم إغلاق باب الإيمان على إطلاقه أمام هؤلاء الناس ، وهو - كما عرفنا من قبل - « صيانة الاحتمال » . فقد يعلن واحد من هؤلاء إيمانه الذي خبأه في نفسه ، فكيف يجد الفرصة لذلك إن كان اللّه قد قال عنهم جميعا « طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ » ؟ إن الذي يرغب في إعلان الإيمان منهم لا يجد الباب مفتوحا ، ولكن عندما يجد الحق قد قال : « فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا » فهو يعلم أن باب الإيمان مفتوح للجميع . وبعد ذلك يقول الحق : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 156 ] وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً ( 156 ) ويقول قائل : ألم يقل الحق من قبل إن « كفرهم » هو سبب من أسباب طبع اللّه